الخلاصات:
تدوينات
تعليقات

وهو ربيعة بن نصر بن أبي حارثة بن عمرو بن عامر اللخمي

كذا ذكره ابن إسحاق ، وقال السهيلي : ونساب اليمن تقول : نصر بن ربيعة وهو ربيعة بن نصر بن الحارث بن نمارة بن لخم ، وقال الزبير بن بكار : ربيعة بن نصر بن مالك بن شعوذ بن مالك بن عجم بن عمرو بن نمارة بن لخم ، ولخم أخو جذام ، وسمي لخما ; لأنه لخم أخاه أي : لطمه فعضه الآخر في يده فجذمها فسمي جذاما وكان ربيعة أحد ملوك حمير التبابعة ، وخبره مع شق وسطيح الكاهنين ، وإنذارهما بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم أما سطيح فاسمه ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن بن غسان ، وأما شق فهو ابن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن قسر بن عبقر بن أنمار بن نزار ، ومنهم من يقول أنمار بن أراش بن لحيان بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ ، ويقال : إن سطيحا كان لا أعضاء له ، وإنما كان مثل السطيحة ، ووجهه في صدره وكان إذا غضب انتفخ وجلس وكان شق نصف إنسان ، ويقال : إن خالد بن عبد الله بن القسري كان سلالته ، وذكر السهيلي أنهما ولدا في يوم واحد وكان ذلك يوم ماتت طريفة بنت الخير الحميرية ، ويقال : إنها تفلت في فم كل منهما فورث الكهانة عنها ، وهي امرأة عمرو بن عامر، والله أعلم.

قال محمد بن إسحاق : وكان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة فرأى رؤيا هالته وفظع بها فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه فقال لهم : إني قد رأيت رؤيا هالتني ، وفظعت بها فأخبروني بها ، وبتأويلها فقالوا : اقصصها علينا نخبرك بتأويلها فقال : إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم بتأويلها،لأنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها. فقال له رجل منهم : فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى شق وسطيح فإنه ليس أحد أعلم منهما فهما يخبرانه بما سأل عنه فبعث إليهما فقدم إليه سطيح قبل شق فقال له : إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها فقال : أفعل . رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة فقال له الملك : ما أخطأت منها شيئا يا سطيح فما عندك في تأويلها ؟ قال : أحلف بما بين الحرتين من حنش لتهبطن أرضكم الحبش فليملكن ما بين أبين إلى جرش.

فقال له الملك : وأبيك يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن ؟ أفي زماني أم بعده ؟ فقال : لا بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين قال : أفيدوم ذلك من سلطانهم أم ينقطع ؟ قال : بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين ، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين قال : ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم . قال : يليهم إرم ذي يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك منهم أحدا باليمن قال : أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع ؟ قال : بل ينقطع قال : ومن يقطعه قال : نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلي قال : وممن هذا النبي ؟ قال رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر قال : وهل للدهر من آخر ؟ قال : نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون ، يسعد فيه المحسنون ، ويشقى فيه المسيئون . قال : أحق ما تخبرني ؟ قال : نعم والشفق والغسق والفلق إذا اتسق إن ما أنبأتك به لحق . قال : ثم قدم عليه شق فقال له كقوله لسطيح ، وكتمه ما قال سطيح ; لينظر أيتفقان أم يختلفان ، قال : نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا ، وأن قولهما واحد إلا أن سطيحا قال وقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة ، وقال شق : وقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة فقال له الملك : ما أخطأت يا شق منها شيئا فما عندك في تأويلها ؟ فقال : أحلف بما بين الحرتين من إنسان ، لينزلن أرضكم السودان فليغلبن على كل طفلة البنان ، وليملكن ما بين أبين إلى نجران فقال له الملك : وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده ؟ قال : لا بل بعده بزمان ، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شان ، ويذيقهم أشد الهوان قال : ومن هذا العظيم الشان ؟ قال : غلام ليس بدني ولا مدن ، يخرج عليهم من بيت ذي يزن قال : أفيدوم سلطانه أم ينقطع ؟ قال : بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل ، من أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل قال : وما يوم الفصل ؟ قال : يوم تجزى فيه الولاة يدعى فيه من السماء بدعوات ، يسمع منها الأحياء والأموات ، ويجمع الناس فيه للميقات ، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات قال : أحق ما تقول ؟ قال : إي ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض ، إن ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض قال ابن إسحاق: فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق ، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له : سابور بن خرزاذ فأسكنهمالحيرة قال ابن إسحاق : فمن بقية ولد ربيعة بن نصر : النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر يعني الذي كان نائبا على الحيرة لملوك الأكاسرة وكانت العرب تفد إليه ، وتمتدحه . وهذا الذي قاله محمد بن إسحاق من أن النعمان بن المنذر من سلالة ربيعة بن نصر قاله أكثر الناس ، وقد روى ابن إسحاق أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما جيء بسيف النعمان بن المنذر سأل جبير بن مطعم عنه ممن كان ؟ فقال : من أشلاء قنص بن معد بن عدنان قال ابن إسحاق : فالله أعلم أي ذلك كان.

في جمادى الأولى من الثلاث وثمانين وأربعمئة للهجرة (483 هـ) نهب العرب البصرة نهباً قبيحًا.


وسبب ذلك أنه ورد إلى بغداد في بعض السنين، رجل أشقر من سواد النيل يدَّعي الأدب والنجوم، ويستجري الناس، فلقبه أهل بغداد تلياً ، وكان نازلاً في بعض الخانات، فسرق ثياباً من الديباج وغيره، وأخفاها في خلفا، وسار بها، فرآها الذين يحفظون الطريق، فمنعوه من السفر اتهاماً له، وحملوه إلى المقدم عليهم، فأطلقه لحرمة العلم.

فسار إلى أمير من أمراء العرب من بني عامر، وبلاده متاخمة الأحساء، وقال له: أنت تملك الأرض، وقد فعل أجدادك بالحاج كذا وكذا، وأفعالهم مشهورة، مذكورة في التواريخ، وحسَّن له نهب البصرة وأخذها، فجمع من العرب ما يزيد على عشرة آلاف مقاتل، وقصد البصرة، وبها العميد عصمة، وليس معه من الجند إلا اليسير، لكون الدنيا آمنة من ذاعر، ولأن الناس في جنة من هيبة السلطان، فخرج إليهم في أصحابه، وحاربهم، ولم يمكنهم من دخول البلد، فأتاه من أخبره أن أهل البلد يريدون أن يسلموه إلى العرب، فخاف، ففارقهم، وقصد الجزيرة التي هي مكان القلعةبنهر معقل .


فلما علم أهل البلد بذلك فارقوا ديارهم وانصرفوا، ودخل العرب حينئذ البصرة، وقد قويت نفوسهم، وملكوها، ونهبوا ما فيها نهباً شنيعاً، فكانوا ينهبون نهاراً، وأصحاب العميد عصمة ينهبون ليلاً، وأحرقوا مواضع عدة، وفي جملة ما أحرقوا داران للكتب إحداهما وقفت قبل أيام عضد الدولة ابن بويه، فقال عضد الدولة : هذه مكرمة سبقنا إليها، وهي أول دار وقفت في الإسلام. والأخرى وقفها الوزير أبو منصور بن شاه مردان، وكان بها نفائس الكتب وأعيانها، وأحرقوا أيضاً النحاسين وغيرها من الأماكن.

وخربت وقوف البصرة التي لم يكن لها نظير، من جملتها: وقوفٌ على الحمال الدائرة على شاطئ دجلة، وعلى الدواليب التي تحمل الماء وترقيه إلى قنى الرصاص الجارية إلى المصانع، وهي على فراسخ من البلد، وهي من عمل محمد بن سليمان الهاشمي وغيره.


وكان فعل العرب بالبصرة أول خرق جرى في أيام السلطان ملكشاه . فلما فعلوا ذلك، وبلغ الخبر إلى بغداد انحدر سعد الدولة كوهرائين، وسيف الدولة صدقة بن مزيد إلى البصرة لإصلاح أمورها، فوجدوا العرب قد فارقوها.


ثم إن تليا أخذ بالبحرين، وأرسلوا إلى السلطان، فشهره ببغداد سنة أربع وثمانين وأربعمائة على جملٍ، وعلى رأسه .طرطور، وهو يصفع بالدرة، والناس يشتمونه، ويسبهم، ثم أمر به فصلب

توفي المعتمد بن عباد من سنة 488 للهجرة، وهو الذي كان صاحب الأندلس من ملوك الطوائف الذين اتحدوا مع يوسف بن تاشفين قائد المرابطين، وهو المسجون بسجن أغمات، من بلد المغرب، وكانت قد أُخذت بلاده منه سنة أربع وثمانين وأربعمائة بعد مخالفته وحدة ملوك الطوائف، فبقي مسجوناً إلى أن توفي، وكان من محاسن الدنيا كرماً، وعلماً، وشجاعةً، ورئاسة تامةً، وأخباره مشهورة، وآثاره مدونة.


ونسبه هو المعتمد على الله أبو القاسم محمد بن الملك المعتضد بالله أبي عمرو، عباد بن الظافر بالله أبي القاسم، قاضي إشبيلية، ثم ملكها، محمد بن اسماعيل بن قريش اللخمي .


قيل هو من ذرية النعمان بن المنذر صاحب الحيرة؛ حكم المعتمد على المدينتين قرطبة وإشبيلية، ويقال أن أصله من الشام من بلد العريش، فدخل جده أبو الوليد إسماعيل بن قريش إلى الأندلس، ثم برع في الفقه، وولي القضاء، ثم تملك مدة، وقام من بعده ابنه المعتضد، فساس المملكة بإشبيلية، وبايعوه بالملك في سنة ثلاث وثلاثين وأربع مائة، وعهد من بعده لابنه المعتمد، والذي قام على الإمارة سنة 464 للهجرة.


وقد ذُكر أنه برز المعتمد من قصره في غلالة بلا درع ولا درقة، وبيده سيفه، فرماه فارس بحربة أصاب الغلالة، وضرب الفارس فتله فولت المرابطون؛ ثم وقت العصر، كرت البربر، وظهروا على البلد من واديه، ورموا فيه النار، فانقطع العمل، واتسع الخرق على الراقع بقدوم سير ابن أخي السلطان، ولم يترك البربر لأهل البلد شيئاً، ونهبت قصور المعتمد، وأكره على أن كتب إلى ولديه أن يسلما الحصنين، وإلا قتلوه، فدمه رهن على ذلك، وهما المعتدِ، والراضي، وكانا في رندة ومارتلة، فنزلا بأمان ومواثيق كاذبة، فقتلوهما غيلة، ومضوا بالمعتمد وآله إلى طنجة بعد أن أفقروهم، ثم سجن بأغمات ما زاد عن عامين، في قلة وذلة، فقال:


تبـدلت مـن ظـل عــز البنـود

بــذل الحـديــد وثقــل القيــود

وكـان حـديـدي سنانـا ذليـقـاً

وعـضبا رقيقـا صـقيـل الحـديــد

وقــد صــار ذاك وذا أدهـمـا

يعـض بسـاقـي عــض الأســود


وللمعتمد أشعارٌ حسنة ، فمنها ما قاله لما أخذ ملكه وحبس:


سلت علي يد الخطوب سيوفها        فجذذن من جسدي الحصيف الأمتنا

ضربت بها أيدي الخطوب وإنما           ضـربت رقاب الآملين بها المنى

يــا آمـــــلي العادات من نفحاتنا          كـــــــــفواً فإن الدهر كف أكفنا


وله من قصيدة يصف القيد في رجله:


تعطف في ساقي تعطف أرقم          يساورها عضاً بأنياب ضيغم
وإني من كان الرجال بسيبه           ومن سيفه في جنة وجهنم


وقيل أنه في يوم عيد أتينه بناته، وكن يغزلن بالأجرة في أغمات، فرآهن في أطمار رثة بعد عزة القصور ، ونعيم الحرائر والدور، فصدعن قلبه، وأنشد أبياته المشهورة:


فيمـا مضى كنت بالأعيـاد مسرورا

فسـاءك العيـد فـي أغمات مأسـورا

تـرى بناتـك فـي الأطمار جـائعـة

يغـزلـن للناس مـا يملكـن قطميـرا

بـرزن نحـوك للتسـليم خاشـعـة

أبصــارهن حســيرات مكاســيرا

يطـأن فـي الطين والأقـدام حافيـة

كأنهـا لـم تطـأ مسكـا وكـافـورا


وكان شاعره أبو بكر بن اللبانة يأتيه وهو مسجون ، فيمدحه لا لجدوى ينالها منه ، بل رعاية لحقه وإحسانه القديم إليه ، فلما توفي أتاه ، فوقف على قبره ، يوم عيد ، والناس عند قبور أهليهم ، وأنشد بصوت عال:


ملك الملوك أسامع فأنــــــــادي          أم قد عداك عن الجواب عوادي
لما خلت منك القصور ولـم تكن         فيها كما قد كنت في الأعياد
فمثلت في هذا الثرى لك خاضعاً          واتخذت قبرك موضع الإنشاد


وأخذ في إتمام القصيدة ، فاجتمع الناس كلهم عليه يبكون.

باب ما جاء في هدم العزى

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزى بعد فتح مكة من الثامن للهجرة، وكانت بنخلة، وكانت بيتًا يعظمه هذا الحي من قريش وكنانة ومضر كلها، وكانت سدنتها وحجابها بني شيبان من بني سليم حلفاء بني هاشم، فلما سمع صاحبها السلمي بمسير خالد إليها، علق عليها سيفه، وأسند في الجبل الذي هي فيه وهو يقول:


يا عز شدي شدة لا شوى لها

على خالد ألقي القناع وشمري

يا عز إن لم تقتلي المرء خالداً

فبوئي بإثم عاجل أو تنصري


فلما انتهى إليها خالد هدمها ، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

هو عدو الله ملك البحرين أبو طاهر، سليمان بن حسن، القرمطي الجنابي الأعرابي الزنديق.

سار إلى مكة عام السابع عشر وثلاثمائة من الهجرة في سبع مائة فارس، فاستباح الحجيج كلهم في الحرم، واقتلع الحجر الأسود، وردم زمزم بالقتلى، وصعد على عتبة الكعبة، يصيح:

أنـا باللـه وباللـه أنـا     يخلق الخلق وأُفْنيهم أنا

فقتل في سكك مكة وما حولها زهاء ثلاثين ألفاً، وسبى الذرية، وأقام بالحرم ستة أيام .

بذل السيف في سابع ذي الحجة، ولم يعرِّفْ أحد تلك السنة فلله الأمر؛ وقتل أمير مكة ابن محارب، وعَرَّى البيت من ستائره، واقتلع بابه، ورجع إلى بلاد هجر.

وقيل: دخل قرمطي سكران على فرس، فصَفَّر له، فبال عند البيت، وضرب الحجر الأسود بدبوس هشمه ثم اقتلعه، وأقاموا بمكة أحد عشر يوماً، وبقي الحجر الأسود عندهم نيفاً وعشرين سنة.

ويقال: هلك تحته إلى هجر أربعون جملًا، فلما أعيد كان على قعودٍ ضعيف، فسمن .

وكان بُجْكُم التركي دفع لهم فيه خمسين ألف دينار، فأبوا، وقالوا: أخذناه بأمر، وما نرده إلا بأمر.

وقيل: إن الذي اقتلعه صاح: يا حمير، أنتم قلتم وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا فأين الأمن ؟

قال رجل: فاستسلمت، وقلت: إن الله أراد، ومن دخله فأمِّنُوه؛ فلوى فرسه وما كلمني .

وقيل أن أبا طاهر وقف على باب البيت منادياً: أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟

وقد وهم السمناني فقال في تاريخه: إن الذي نزع الحجر أبو سعيد الجنابي القرمطي، وإنما هو ابنه أبو طاهر.

واتفق أن ابن أبي الساج الأمير نزل بأبي سعيد الجنابي فأكرمه، فلما سار لحربه بعث يقول: لك علي حق، وأنت في خمس مائة وأنا في ثلاثين ألفاً. فانصرف، فقال للرسول : كم مع صاحبك؟ قال: ثلاثون ألف راكب، قال: ولا ثلاثة؛ ثم دعا بعبد أسود، فقال له: خَرِّقْ بطنك بهذه السكين، فبدد مصارينه. وقال لآخر: اغرق في النهر. ففعل، وقال لآخر: اصعد على هذا الحائط ، وانزل على مخك . فهلك ، فقال للرسول : إن كان معه مثل هؤلاء، وإلا فما معه أحد.

ونقل القيلوي في الحجر الأسود لما قيل: من يعرفه؟، فقال ابن عليم المحدث: إنه يشوف على الماء، وإن النار لا تُسخِّنه. ففعل به ذلك، فقبله ابن عليم، وتعجب الجنابي، ولم يصح هذا.

وقيل: صعد قرمطي لقلع الميزاب، فسقط على رأسه، فهلك؛ وكان ذلك سنة سبع عشرة وكان أمير العراقين منصور الديلمي ، وجافت مكة بالقتلى .

قال المراغي: حدثنا أبو عبد الله بن محرم -وكان رسول الخليفة العباسي المقتدر إلى القرمطي- قال: سألته بعد مناظرات عن استحلاله بما فعل بمكة، فأحضر الحجر في الديباج، فلما أبرز كبرت، وأريتهم من تعظيمه والتبرك به على حالة كبيرة، وافتتنت القرامطة بأبي طاهر، وكان أبوه قد أطلعه وحده على كنوز دفنها، فلما تملك كان يقول : هنا كنز. فيحفرون ، فإذا هم بالمال، فيفتتنون به وقال مرة: أريد أن أحفر هنا عينا. قالوا: لا تنبع. فخالفهم، فنبع الماء، فازداد ضلالهم به، وقالوا: هو إله. وقال قوم: هو المسيح. وقيل: نبي. وقد هزم جيوش بغداد غير مرة، وعتا وتمرد.

قال محمد بن رزام الكوفي: حكى لي ابن حمدان الطيب، قال: أقمت بالقطيف أعالج مريضا، فقال لي رجل: إن الله ظهر، فخرجت، فإذا الناس يهرعون إلى دار أبي طاهر، فإذا هو ابن عشرين سنة، شاب مليح عليه عمامة صفراء، وثوب أصفر على فرس أشهب، وإخوته حوله. فصاح : من عرفني عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن الجنابي، اعلموا أنَّا كنا -وإياكم- حَميراً، وقد منَّ الله علينا بهذا. وأشار إلى غلام أمرد، فقال: هذا ربنا وإلهنا، وكلنا عباده.

فأخذ الناس التراب، فوضعوه على رءوسهم. ثم قال أبو طاهر: إن الدين قد ظهر وهو دين أبينا آدم، وجميع ما أوصلت إليكم الدعاة باطل من ذكر موسى وعيسى ومحمد، هؤلاء دجالون.

وكان هذا الغلام هو أبو الفضل المجوسي، شرع لهم اللواط، ووطء الأخت، وأمر بقتل من امتنع.

فأُدخلت عليه وبين يديه عدة رؤوس، فسجدت له، وأبو طاهر والكبراء حوله قيام، فقال لأبي طاهر: الملوك لم تزل تعد الرءوس في خزائنها، فسلوه كيف بقاؤها؟ فسُئلتُ، فقلت: إلهنا أعلم، ولكني أقول: فجملة الإنسان إذا مات يحتاج كذا وكذا صبراً وكافوراً. والرأس جزءٌ فيعطى بحسابه. فقال: ما أحسن ما قال. ثم قال الطبيب: ما زلت أسمعهم تلك الأيام يلعنون إبراهيم وموسى ومحمدا وعلياً، ورأيت مصحفاً مُسِحَ بغائط.

وقال أبو الفضل يوما لكاتبه: اكتب إلى الخليفة، فصلِّ لهم على محمد، وكِلْ من جراب النورة. قال: والله ما تنبسط يدي لذلك، فافتض أبو الفضل أختا لأبي طاهر الجنابي، وذبح ولدها في حجرها، ثم قتل زوجها، وهم بقتل أبي طاهر، فاتفق أبو طاهر مع كاتبه ابن سنبر، وآخر عليه فقالا: يا إلهنا، إن والدة أبي طاهر قد ماتت، فاحضر لتحشو جوفها نارا، قال: وكان سَنَّه له، فأتى، فقال: ألا تجيبها؟ قال: لا؛ فإنها ماتت كافرة. فعاوده، فارتاب وقال: لا تعجلا علي، دعاني أخدم دوابكما إلى أن يأتي أبي.

قال ابن سنبر: ويلك هتكتنا، ونحن نرتب هذه الدعوة من ستين سنة، فلو رآك أبوك لقتلك، اقتله يا أبا طاهر. قال : أخاف أن يمسخني، فضرب أخو أبي طاهر عنقه، ثم جمع ابن سنبر الناس، وقال: إن هذا الغلام ورد بكذب سرقه من معدن حق، وإنا وجدنا فوقه من ينكحه، وقد كنا نسمع أنه لا بد للمؤمنين من فتنة يظهر بعدها حق، فأطفئوا بيوت النيران، وارجعوا عن نكاح الأم، ودعوا اللواط، وعظموا الأنبياء. فضجوا، وقالوا: كل وقت تقولون لنا قولًا؛ فأنفق أبو طاهر الذهب حتى سكنوا .

قال الطبيب: فاخرج إلى أبو طاهر الحجر، وقال: هذا كان يعبد. قلت: كلا، قال: بلى، قلت: أنت أعلم، وأخرجه في ثوب دبيقي ممسك.

ثم جرت لأبي طاهر مع المسلمين حروب أوهنته. وقُتل جنده، وطلب الأمان على أن يرد الحجر، وأن يأخذ عن كل حاج ديناراً ويخفرهم.

هلك الزنديق بالجدري – لارحمه الله -  في رمضان سنة اثنتين وثلاث مائة بهجر كهلاً، وقام بعده أبو القاسم سعيد.

قال البخاري في صحيحه بباب جهل العرب: حدثنا أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام ((قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين)) [الأنعام : 140]، وقد ذكرنا تفسير هذه الآية وما كانوا ابتدعوه من الشرائع الباطلة الفاسدة التي ظنها كبيرهم عمرو بن لحي -قبحه الله- مصلحة ورحمة بالدواب والبهائم وهو كاذب مفتر في ذلك، ومع هذا الجهل والضلال اتبعه هؤلاء الجهلة الطغام فيه بل قد تابعوه فيما هو أطم من ذلك وأعظم بكثير وهو عبادة الأوثان مع الله عز وجل، وبدلوا ما كان الله بعث به ابراهيم خليله من الدين القويم والصراط المستقيم من توحيد عبادة الله وحده لا شريك له، وتحريم الشرك، وغيروا شعائر الحج، ومعالم الدين بغير علم ولا برهان ولا دليل صحيح ول اضعيف، واتبعوا في ذلك من كان قبلهم من الأمم المشركين، وشابهوا قوم نوح كانوا أول من أشرك بالله، وعبد الأصنام، ولهذا بعث الله إليهم نوحاً وكان أول رسول بعث ينهى عن عبادة الأصنام ((وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيراً)) الآية [نوح : 23-24]، قال ابن عباس: كان هؤلاء قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم فلما طال عليهم الأمد عبدوهم.

قال ابن إسحاق وغيره: ثم صارت هذه الأصنام في العرب بعد تبديلهم دين إسماعيل فكان ود لبني كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وكان منصوباً بدومة الجندل وكان سواع لبني هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر وكان منصوباً بمكان يقال له: رهاط.


وكان يغوث لبني أنعم من طيئ ، ولأهل جرش من مذحج وكان منصوبا بجرش وكان يعوق منصوباً بأرض همدان من اليمن لبني خيوان بطن من همدان وكان نسر منصوبا بأرض حمير لقبيلة يقال لهم ذو الكلاع.

قال ابن إسحاق : وكان لخولان بأرضهم صنم يقال له: عميانس يقسمون له من أنعامهم ، وحروثهم قسما بينه وبين الله فيما يزعمون فما دخل في حق عميانس من حق الله الذي قسموه له تركوه له وما دخل في حق الله من حق عميانس ردوه عليه أنزل الله: ((وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً)) [الأنعام : 136]، قال: وكان لبني ملكان بن كنانة بن خزيمة بن مدركة صنم يقال له: سعد ، صخرة بفلاة من أرضهم طويلة فأقبل رجل منهم بإبل له مؤبلة ليقفها عليه التماس بركته فيما يزعم، فلما رأته الإبل وكانت مرعية لا تركب وكان الصنم يهراق عليه الدماء نفرت منه فذهبت في كل وجه، وغضب ربها وأخذ حجرا فرماه به، ثم قال: لا بارك الله فيك نفرت علي إبلي، ثم خرج في طلبها فلما اجتمعت له قال:

أتينا إلى سعد ليجمع شملنـا
فــشتتنا سعد فلا نحن من سعد
وهل سعد إلا صخرة بتنوفة

من الأرض لا يدعو لغي ولا رشد


قال ابن إسحاق: وكان في دوس صنم لعمرو بن حممة الدوسي، قال: وكانت قريش قد اتخذت صنما على بئر في جوف الكعبة يقال له: هبل، وفيما ذكره ابن هشام في سيرته أنه أول صنم نصبه عمرو بن لحي لعنه الله عند عودته من بلاد الشام.

قال ابن إسحاق : واتخذوا إسافاً ونائلة على موضع زمزم ينحرون عندهما ، ثم ذكر أنهما كانا رجلًا وامرأة فوقع عليها في الكعبة فمسخهما الله حجرين، ثم قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة أنها قالت: سمعت عائشة تقول: ما زلنا نسمع أن إسافاً ونائلة كانا رجلًا وامرأة من جرهم أحدثا في الكعبة فمسخهما الله عز وجل حجرين؛ والله أعلم. وقد قيل إن الله لم يمهلهما حتى فجرا فيها بل مسخهما قبل ذلك فعند ذلك نصبا عند الصفا والمروة فلما كان عمرو بن لحي نقلهما فوضعهما على زمزم، وطاف الناس بهما، وفي ذلك يقول أبو طالب: ” وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم بمفضى السيول من إساف ونائلة”.

وقد ذكر الواقدي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر بكسر نائلة يوم الفتح خرجت منها سوداء شمطاء تخمش وجهها وتدعو بالويل والثبور.

وقد ذكر السهيلي : أن أجأ وسلمى وهما جبلان بأرض الحجاز إنما سميا باسم رجل اسمه أجأ بن عبد الحي فجر بسلمى بنت حام فصلبا في هذين الجبلين، فعرفا بهما قال: وكان بين أجأ وسلمى صنم لطيئ يقال له: فلس.

قال ابن إسحاق: واتخذ أهل كل دار في دارهم صنماً يعبدونه فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسح به حين يركب، فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، وإذا قدم من سفره تمسح به فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله، قال: فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالتوحيد قالت قريش: “أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب”، قال ابن إسحاق: وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتهدي لها كما تهدي للكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر عندها، وهي مع ذلك تعرف فضل الكعبة عليها؛ لأنها بناء ابراهيم الخليل عليه السلام ومسجده، فكانت لقريش وبني كنانة العزى بنخلة، وكانت سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم وقد خربها خالد بن الوليد زمن الفتح.

قال: وكانت اللات لثقيف بالطائف وكانت سدنتها، وحجابها بني معتب من ثقيف، وخربها أبو سفيان والمغيرة بن شعبة بعد مجيء أهل الطائف. قال : وكانت مناة للأوس والخزرج، ومن دان بدينهم من أهل المدينة على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد وقد خربها أبو سفيان أيضاً، وقيل : علي بن أبي طالب.

قال: وكان ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة وكان يقال له الكعبة اليمانية، ولبيت مكة الكعبة الشامية وقد خربه جرير بن عبد الله البجلي. قال : وكان فلس لطيئ ومن يليها بجبلي طيئ بين أجأ وسلمى، وهما جبلان مشهوران. قال: وكان رئام بيتاً لحمير، وأهل اليمن.

خُطَبُ الأعراب

خطب أعرابي فقال:

الحمدلله الحميد المستحمد، وصلى الله على النبي محمد، أمَّا بعد، فإنّ التعمق في ارتجال الخطب لممكن، والكلام لا يَنثَنِي حتى يُنثَنَى عنه، والله تبارك وتعالى لا يُدرك واصف كُنْه صفته، ولا يبلغ خطيب منتهى مدحته، له الحمد كما مدح نفسه، فانهضوا إلى صلاتكم.

ثم نزل فصلى.

وخطب أعرابيٌ آخر فقال:

الحمدلله، وصلى الله على النبي المصطفى، وعلى جميع الأنبياء، ما أقبح بمثلي أن ينهى عن أمر ويرتكبه، ويأمر بشئ فيجتنبه، وقد قال الأول:

ودعْ مالـُـمـــت صــــاحبَهُ عــليــــه            فذمَّ أن يــلومـَـــــك مَن تـــــــلُــومُ

ألهمنا الله وإياكم تقواه، والعمل برضاه.

وكان فداه أبي وأمي أمياً، لا يقرأ ولا يكتب، فكان له من الصحابة الكتبة عشرة:

  1. علي بن أبي طالب
  2. عمر بن الخطاب
  3. عثمان بن عفان
  4. خالد بن سعيد بن العاص
  5. أبَّان بن سعيد بن العاص
  6. عمرو بن العاص
  7. شرحبيل بن حسنة
  8. زيد بن ثابت
  9. العلاء بن الحضرمي
  10. معاوية بن أبي سفيان

ولم يزل يُكتَب له حتى مات عليه أفضل الصلاة والسلام.

قيل لأعرابي: “من أبلغ الناس؟”، قال: “أحسنهم لفظاً وأسرعهم بديهة”.

وقال الأصمعي: “خطب رجل في النكاح فأكثر وأطول، فقيل: “من يجيبه؟”، قال أعرابي: “أنا”، قيل له: “أنت وذاك”، فالتفت إلى الخاطب فقال: “إني والله ما أنا من تخطيطك وتمطيطك في شئ؛ قد مَتَتَّ بحرمة، وذكرت حقاً، وعظمت مرجواً؛ فحبلك موصول، وفرضك مقبول، وأنت لها كفءٌ كريم، وقد أنكحناك وسلَّمنا”.

وتكلم ربيعة الرأي يوماً فأكثر، فكأن العُجب داخله، وأعرابي إلى جنبه، فأقبل على الأعرابي فقال: “ما تُعِدُّونَ البلاغة يا أعرابي؟”، قال: “قلة الكلام وإيجاز الصواب.”، قال: “فما تعدّونَ العي؟”، قال: “ما كنتَ فيه اليوم”، فكأنما ألقمه حجراً.

وروي أن أعرابياً حضر مجلس ابن عباس، فسمع عنده قارئاً يقرأ: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُم مِنْهَا} (آل عمران – 103)؛ فقال الأعرابي: “والله ما أنقذكم منها وهو يُرجِعكم إليها”، فقال ابن عباس رضي الله عنه: “خذوها من غير فقيه”.

لما كانت سنة ست من مهاجر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، رجع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من الحديبية، وبعث إلى الملوك، فمضى حاطب بن أبي بلتعة بكتاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فلما انتهى إلى الإسكندرية وجد المقوقس في مجلس مشرف على البحر، فركب البحر، فلما حاذى مجلسه أشار بكتاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بين إصبعيه، فلما رآه أمر بالكتاب فقبض، وأمر به فأوصل إليه، فلما قرأ الكتاب قال‏:‏ “ما منعه إن كان نبيًا أن يدعو عليّ فيسلط عليّ”‏.‏

فقال له حاطب‏:‏ “ما منع عيسى بن مريم أن يدعو على من أبى عليه أن يفعل به ويفعل”، فوجم ساعة ثم استعادها فأعادها عليه حاطب فسكت، فقال له حاطب‏:‏ “إنه قد كان قبلك رجل زعم أنه الرب الأعلى فانتقم الله به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك ولا تعتبر بك، وإن لك دينًا لن تدعه إلا لما هو خير فيه، وهو الإسلام الكافي لنبيه عمَّا سواه، وما بشارة موسى بعيسى إلى كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكنا نأمرك به”‏.‏

ثم قرأ الكتاب فإذا فيه‏:‏ “بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللّه إلى المقوقس عظيم القبط سلام على من اتبع الهدى، أما بعد‏:‏ فإني أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم، يؤتك اللّه أجرك مرّتين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، أن لا نعبد إلا اللّه، ولا نشرك به شيئًا، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون اللّه، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون”.

فلما قرأه أخذه فجعله في حق من عاج وختم عليه‏.‏

وقيل أنه أرسل المقوقس إلى حاطب ليلةً، وليس عنده أحد إلا الترجمان فقال له‏:‏ “ألا تخبرني عن أمور أسألك عنها، فإني أعلم أن صاحبك قد تخيرك حين بعثك”، قال:‏ “لا تسألني عن شيء إلا صدقتك”، قال‏:‏ “إلى ما يدعو محمد؟”‏، قال‏:‏ “إلى أن تعبد اللّه، ولا تشرك به شيئًا، وتخلع ما سواه، ويأمر بالصلاة”‏.‏

قال‏:‏ “فكم تصلون؟”‏، قال‏:‏ “خمس صلوات في اليوم والليلة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت، والوفاء بالعهد، وينهى عن أكل الميتة والدم”‏.‏

قال‏:‏ “من أتباعه؟”، قال‏:‏ “الفتيان من قومه وغيرهم”‏.‏

،”قال‏:‏ “وهل يقبل قوله؟”، قال‏:‏ “نعم”، قال‏:‏ “صفه لي”، قال‏:‏ “فوصفته بصفة من صفته ولم آت عليها قال‏:‏ “قد بقيت أشياء لم أرك ذكرتها؛ في عينيه حمرة قلَّ ما تفارقه، وبين كتفيه خاتم النبوّة، يركب الحمار، ويلبس الشملة، ويجتزي بالتمرات والكسر، لا يبالي من لاقى من عمّ ولا ابن عمّ”، قلت‏:”‏هذه صفته”، قال‏:‏ “قد كنت أعلم أن نبيًا بقي، وقد كنت أظنّ أن مخرجه الشام، وهناك كانت تخرج الأنبياء من قبله، فأراه قد خرج في أرض العرب، في أرض جهد وبؤس، والقبط لا تطاوعني في أتباعه ولا أحب أن تعلم بمحاورتي إياك، وسيظهر على البلاد وينزل أصحابه من بعده بساحتنا هذه حتى يظهروا على ما ههنا، وأنا لا أذكر للقبط من هذا حرفًا فارجع إلى صاحبك‏”.‏

ثم دعي كاتبًا يكتب بالعربية فكتب‏:‏ “لمحمد بن عبد اللّه من المقوقس عظيم القبط سلام، أما بعد‏:‏ فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيًا قد بقي وقد كنت أظن أن نبيًا يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم وبكسوة وأهديت إليك بغلةَ لتركبها والسلام”‏.‏

Older Posts »