باب ما جاء في اختلاف هاشم بن عبد مناف وأمية بن عبد شمس
ذُكرَ أن هاشم بن عبد مناف قد أتى الشام فأقام بها حيناً ثم أقبل منها يريد مكة ومعه الغرائر مملوءة خبزاً قد هشمته ومعه الإبل تحمل الغرائر حتى قدم مكة، وذلك في سنة شديدة قد جاع فيها الناس وهلكت فيها أموالهم وأنفسهم، فعمد هاشم إلى الإبل التي كانت تحمل الغرائر فنحرها وأقام الطهاة فطبخوا، ثم أخرج الخبز الخشيم فملأ منه الجفان ثم أمر بالقدور فكفئت عليها فأطعم الناس أهل مكة وغيرهم فكان ذلك أول خصبهم فقال في ذلك رجل من قريش وهو حذافة بن غانم العدوي: “الكامل عمرو العلى هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف”، وقال في ذلك وهب بن عبد بن قصي بن كلاب: “الوافر تحمل هاشم ما ضاق عنه، وأعيا ا يقوم به ابن بيض أتاهم بالغرائر متأقات من أرض الشام بالبر النفيض، فأوسع أهل مكة من خشيم وشاب الخبز باللحم الغريض، فظل القوم بين مكللات من الشيزى وحائرها يفيض”، وفي رواية: “من الشيزى جابرها”.
ويقال أن ذلك ما سموه به هاشم، وكان اسمه عمرو.
وكان أمية بن عبد شمس مكثراً، فتكلف أن يصنع هاشم، فعجز عنه وقصر، فشمت به ناس من قريش وسخروا منه وعابوه بما صنع ثم قصر، فهاج ذلك بينه وبين هاشم شراً ومفاخرة ومخاصمة، حتى دعاه إلى المنافرة، وألب أمية إخوته ووبخوه وحربوه، وكره ذلك هاشم لسنه حتى أكثرت قريش في ذلك وذموه فقال له هاشم: “أما إذا أبيت إلا المنافرة فأنا أنافرك على خمسين ناقة سوداء الحدقة ننحرها بمكة والجلاء عن مكة عشر سنين”، قال: “فرضيا بذلك”، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، وخرج أبو همهمة بن عبد العزى عامرة بن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر وكانت أمة بنت أبي همهمة عند أمية بن عبد شمس فخرج معهما كالشاهد فقالوا: “لو خبأنا له خبيئاً نبلوه به قبل التحاكم إليه”، فوجدوا أطباق جمجمة بالية فأمسكها معه أبو همهمة ثم أتوا الكاهن وكان منزله بعسفان فأناخوا افبل ببابه وقالوا: “إنا قد خبأنا لك خبيئاً فأنبئنا به قبل التحاكم إليك”، فقال: “أحلف بالنور والظلمة وما يتهمامة من بهمة وما بنجد من أكمة لقد خبأتم لي أطباق جمجمة مع الفلندح أبي همهمة”، قالوا: “أصبت فاحكم بين هاشم بن عبد مناف وبين أمية بن عبد شمس أيهما أشرف”، فقال: “والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر منجد أو غائر، لقد سبق هاشم أمية إلى المفاخر أول منها وآخر”.
فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضر وخرج أمية إلى الشام فأقام به عشر سنين، ومن ثم يقال إن أمية استحلق أبا عمرو ابنه، وهو ذكوان وهو رجل من أهل صفورية، فخلف أبو عمرو على امرأة أبيه بعده، فأولدها أبان وهو أبو معيط، ويقال استلحق ذكوان أيضاً أبان.
باب ما جاء في بضعٍ من طرف المتنبئين
ادعى رجل النبوة ببغداد في أيام المأمون، فقال ليحيى بن أكثم: “امض بنا مستترين حتى ننظر إلى هذا المتنبئ وإلى دعواه”، قال يحيى: “فركبنا متنكرين ومعنا خادم، حتى إذا صرنا إليه، وكان مستتراً بمذهبة، فخرج آذنه وقال: “من أنتما؟”، فقلنا: “رجلان يريدان أن يسلما على يديه”"، فلما اذن لهما ودخلا، جلس المأمون عن يمينه ويحيى عن يساره، فالتفت إليه المأمون فقال: “إلى من بُعِثت؟”، قال: “إلى الناس كافة”، قال: “فيوحى إليك، أم ترى في المنام، أم يُنْفث في قلبك، أم تُناجى، أم تُكـلَّم؟”، قال: “بل أُناجى وأُكلّم”، قال: “ومن يأتيك بذلك؟”، قال: “جبريل”، قال: “فمتى كان عندك؟”، قال: “قبل أن تأتيني بساعة”، قال: “فما أوحى إليك؟”، قال: “أوحى إليَّ أنه سيدخل عليّ رجلان، فيجلس أحدهما عن يميني والآخر عن يساري؛ فالذي عن يساري ألوَطُ خلق الله!”، قال المأمون: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله”، وخرجا من عنده يتضاحكان.
باب ما جاء في مقتل عمار بن ياسر رضي الله عنه
روى العتبي أنه لما التقى الناس بصفين، نظر معاوية إلى هاشم بن عتبة الذي يقال له المرقال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أرقل ليمون))، وكان أعور والراية بيده (راية علي كرم الله وجهه)، وهو يقول:
أعور يُبغي نفسه محلاً قد عالج الحياة حتى ملا
لابد أن يفل أو يفلا
فقال معاوية لعمرو بن العاص: “يا عمرو، هذا المرقال، والله لئن زحف بالراية زحفاً إنه ليوم أهل الشام الأطول، ولكني أرى ابن السوداء إلى جنبه – يريد عمار بن ياسر رضي الله عنه – وفيه عجلة في عجلة الحرب، وأرجو أن تقدمه إلى الهلكة”.
وجعل عمار يقول: “أبا عتبة تقدم”، فيقول: “يا أبا اليقظان، أنا أعلم بالحرب منك، دعني أزحف بالراية زحفاً”؛ فلما أضجره وتقدم، أرسل معاوية خيلاً فاختطفوا عماراً، فكان يسمي أهل الشام قتل عماراً فتح الفتوح.
وذكر أسود بن مسعود عن حنظلة بن خويلد قوله: “إني لجالس عند معاوية إذ أتاه رجلان يختصمان في رأس عمار، كل واحد منهما يقول: “أنا قتلتُه!” فقال لهما عبدالله بن عمرو بن العاص: “ليطب به أحدكما نفساً لصاحبه، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: ((تقتلك الفئة الباغية))”". انتهى قوله.
قال معاوية: “هم قتلوه، لأنهم أخرجوه للقتل”، فلما بلغ ذلك أبي السبطين علياً قال: “ونحن قتلنا أيضاً حمزة، لأنا أخرجناه”.
باب ما جاء في نصح الأبوين لمعاوية
لما قدم معاوية من الشام، وكان عمر الفاروق قد استعمله عليها، دخل على أمه هند بنت عتبة، فقالت له: “يابني، إنه قلما ولدت حرة مثلك، وقد استعملك هذا الرجل، فاعمل بما وافقه أحببْتَ ذلك أم كرهته”؛ ثم دخل على أبيه أبي سفيان، فقال له: “يابني، إن هؤلاء الرهط من المهاجرين سبقونا وتأخرنا عنهم، فرفعهم سَبْقُهُم وقصّر بنا تأخرنا، فصرنا أتباعاً وصاروا قلادة؛ وقد قلدوك جسيماً من أمرهم، فإنك تجري إلى أمدٍ لم تبلغه، ولو قد بلغته لتنفست فيه”.
قال معاوية: “فعجبني من اتفاقهما في المعنى على اختلافهما في اللفظ”.
باب ما جاء في صلاح الرعية من صلاح الإمام
اطلع مروان بن الحكم على ضيعة له بالغوطة، فأنكر منها شيئاً، فقال لوكيله: “ويحك! إني لأظنك تخونني”، قال: “أتظن ذلك ولا تستيقنه؟”، قال: “وتفعله؟”، فقال له: “نعم والله، إني لأخونك، وإنك لتخون أمير المؤمنين، وإن أمير المؤمنين ليخون الله، فلعن الله شر الثلاثة”.
أراد به صلاح الرعية من صلاح الإمام.
باب ما جاء في استعادة بيت المقدس من أيدي الصليب
لما افتتح السلطان صلاح الدين الأيوبي تلك غزة فعسقلان فبيسان فنابلس، أمر العساكر فاجتمعت ثم سار نحو بيت المقدس، فنزل بيت غربي المقدس في الخامس عشر من رجب من سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، فوجد البلد قد حصنت غاية التحصين، وكانوا ستين ألف مقاتل، دون بيت المقدس أو يزيدون، وكان صاحب القدس يومئذ رجلاً يقال له بالـِــبان بن بازران، ومعه من سلم من وقعة حطين يوم التقى الجمعان، من الداوية والاسبتارية أتباع الشيطان، وعبدة الصلبان.
فأقام السلطان بمنزله المذكور خمسة أيام، وسلم إلى كل طائفة من الجيش ناحية من السور وأبراجه، ثم تحول السلطان إلى ناحية الشام لأنه رآها أوسع للمجال، والجلاد والنزال، وقاتل الفرنج دون البلد قتالاً هائلاً، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في نصرة دينهم وقمامتهم، واستشهد في الحصار بعض أمراء المسلمين، فحنق عند ذلك كثير من الأمراء والصالحين، واجتهدوا في القتال ونصب المناجنيق والعرادات على البلد، وغنت السيوف والرماح الخطيات، والعيون تنظر إلى الصلبان منصوبة فوق الجدران، وفوق قبة الصخرة صليب كبير، فزاد ذلك أهل الإيمان حنقاً وشدة التشمير، وكان ذلك يوماً عسيراً على الكافرين غير يسير.
فبادر السلطان بأصحابه إلى الزاوية الشرقية الشمالية من السور فنقبها وعلقها وحشاها وأحرقها، فسقط ذلك الجانب وخر البرج برمته فإذا هو واجب.
فلما شاهد الفرنج ذلك الحادث الفظيع، والخطب المؤلم الوجيع، قصد أكابرهم السلطان وتشفعوا إليه أن يعطيهم الأمان، فامتنع من ذلك وقال: “لا أفتحها إلا عنوة، كما افتتحتموها أنتم عنوة، ولا أترك بها أحداً من النصارى إلا قتلته كما قتلتم أنتم من كان بها من المسلمين”.
فطلب صاحبها بالبان بن بازران الأمان ليحضر عنده فأمنه، فلما حضر ترقق للسلطان وذل ذلاً عظيماً، وتشفع إليه بكل ما أمكنه فلم يجبه إلى الأمان لهم.
فقالوا: “إن لم تعطنا الأمان رجعنا فقتلنا كل أسير بأيدينا – وكانوا قريباً من أربعة آلاف – وقتلنا ذرارينا وأولادنا ونساءنا وخربنا الدور والأماكن الحسنة، وأحرقنا المتاع وأتلفنا ما بأيدينا من الأموال، وهدمنا قبة الصخرة وحرقنا ما نقدر عليه، ولا نبقي ممكناً في إتلاف ما نقدر عليه، وبعد ذلك نخرج فنقاتل قتال الموت، ولا خير في حياتنا بعد ذلك، فلا يقتل واحد منا حتى يقتل أعداداً منكم، فماذا ترتجي بعد هذا من الخير؟”
فلما سمع السلطان ذلك أجاب إلى الصلح وأناب، على أن يبذل كل رجل منهم عن نفسه عشرة دنانير، وعن المرأة خمسة دنانير، وعن كل صغير وصغيرة دينارين، ومن عجز عن ذلك كان أسيراً للمسلمين، وأن تكون الغلات والأسلحة والدور للمسلمين، وأنهم يتحولون منها إلى مأمنهم وهي مدينة صور.
فكتب الصلح بذلك، وأن من لم يبذل ما شرط عليه إلى أربعين يوماً فهو أسير، فكان جملة من أسر بهذا الشرط ستة عشر ألف أسير من رجال ونساء وولدان، ودخل السلطان والمسلمون البلد يوم الجمعة قبل وقت الصلاة بقليل، وذلك يوم السابع والعشرين من رجب.
قال العماد: وهي ليلة الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
قال أبو شامة: وهو أحد الأقوال في الإسراء، ولم يتفق للمسلمين صلاة الجمعة يومئذ خلافاً لمن زعم أنها أقيمت يومئذ، وأن السلطان خطب بنفسه بالسواد، والصحيح أن الجمعة لم يتمكنوا من إقامتها يومئذ لضيق الوقت، وإنما أقيمت في الجمعة المقبلة، وكان الخطيب محي الدين بن محمد بن علي القرشي ابن الزكي.
ولكن نظفوا المسجد الأقصى مما كان فيه من الصلبان والرهبان والخنازير، وخربت دور الداوية، وكانوا قد بنوها غربي المحراب الكبير، واتخذوا المحراب مشتاً لعنهم الله، فنظف من ذلك كله، وأعيد إلى ما كان عليه في الأيام الإسلامية، وغسلت الصخرة بالماء الطاهر، وأعيد غسلها بماء الورد والمسك الفاخر، وأبرزت للناظرين، وقد كانت مستورة مخبوءة عن الزائرين، ووضع الصليب عن قبتها، وعادت إلى حرمتها.
وقد كان الفرنج قلعوا منها قطعاً فباعوها من أهل البحور الجوانية بزنتها ذهباً، فتعذر استعادة ما قطع منها.
ثم قبض من الفرنج ما كانوا بذلوه عن أنفسهم من الأموال، وأطلق السلطان خلقاً منهم بنات الملوك بمن معهن من النساء والصبيان والرجال، ووقعت المسامحة في كثير منهم، وشفع في أناس كثير فعفا عنهم، وفرق السلطان جميع ما قبض منهم من الذهب في العسكر، ولم يأخذ منه شيئاً مما يقتني ويدخر، وكان رحمه الله حليماً كريماً مقداماً شجاعاً رحيماً.
ولما تطهر بيت المقدس مما كان فيه من الصلبان والنواقيس والرهبان والقساقس، ودخله أهل الإيمان، ونودي بالأذان وقرئ القرآن، ووحد الرحمن، كان أول جمعة أقيمت في اليوم الرابع من شعبان، بعد يوم الفتح بثمان.
باب ما جاء في بداية أمر تولية الحجاج بن يوسف الثقفي أمر العراق
روي أن في السنة الخامسة والسبعين هجرية، ولى عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي نيابة العراق والبصرة والكوفة وما يتبع ذلك من الأقاليم الكبار، وذلك بعد موت أخيه بشر، فرأى عبد الملك أنه لا يسد عنه أهل العراق غير الحجاج لسطوته وقهره وقسوته وشهامته، فكتب إليه وهو بالمدينة ولاية العراق.
سار من المدينة إلى العراق في اثني عشر راكباً، فدخل الكوفة على حين غفلة من أهلها وكان تحتهم النجائب، فنزل قريب الكوفة فاغتسل واختضب ولبس ثيابه وتقلد سيفه وألقى عذبة العمامة بين كتفيه، ثم سار فنزل دار الإمارة، وذلك يوم الجمعة وقد أذن المؤذن الأول لصلاة الجمعة، فخرج عليهم وهم لا يعلمون، فصعد المنبر وجلس عليه وأمسك عن الكلام طويلاً، وقد شخصوا إليه بأبصارهم وجثوا على الركب وتناولوا الحصى ليحذفوه بها، وقد كانوا حصبوا الذي كان قبله فلما سكت أبهتهم وأحبوا أن يسمعوا كلامه، فكان أول ما تكلم به أن قال:
“يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، والله إن كان أمركم ليهمني قبل أن آتي إليكم، ولقد كنت أدعو الله أن يبتليكم بي ولقد سقط مني البارحة سوطي الذي أؤدبكم به فاتخذت هذا مكانه – وأشار إلى سيفه -، ثم قال: والله لآخذن صغيركم بكبيركم، وحركم بعبدكم، ثم لأرصعنكم رصع الحداد الحديدة، والخباز العجينة”.
فلما سمعوا كلامه جعل الحصى يتساقط من أيديهم.
وقيل إنه دخل الكوفة في شهر رمضان ظهراً فأتى المسجد وصعد المنبر وهو معتجر بعمامة حمراء متلثم بطرفها، ثم قال: “عليَّ بالناس!”، فظنه الناس وأصحابه من الخوارج فهموا به حتى إذا اجتمع الناس قام وكشف عن وجهه اللثام وقال:
أنا ابن جَلا وطلاع الثنايا * * متى أضع العمامة تعرفوني
ثم قال: “أما والله إني لأحمل الشيء بحمله، وأحذوه بنعله، وأحزمه بفتله، وإني لأرى رؤوساً قد أينعت وآن اقتطافها، وإني لأنظر إلى الدماء تترقرق بين العمائم واللحى”.
ثم أنشد:
هذا أوان الشد فاشتدي زِيمْ * * قد لفَّها الليل بسوَّاق حطمْ
لست براعي إبل ولا غنـمْ * * ولا بجزَّارٍ على ظهرٍ وضمْ
ثم قال:
قد لفَّها الليل بعصلبيِّ * * أروع خراج من الدوي
مهاجر ليس بأعرابي
ثم قال:
“إني يا أهل العراق ما أُغمز بغماز، ولا يقعقع لي بالشنان، ولقد فررت عن ذُكاء وجربت من الغاية القصوى، وإن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان نثر كنانته ثم عجم عيدانها عوداً عوداً فوجدني أمرّها عوداً وأصلبها مغمزاً فوجهني إليكم فأنتم طالما رتعتم في أودية الفتن، وسلكتم سبيل الغي، واخترتم جدد الضلال، أما والله لألحونَّكم لحي العود، ولأعصبنكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، إني والله لا أعد إلا وفيت، ولا أخلق إلا فريت، فإياي وهذه الجماعات وقيلاً وقالاً، والله لتستقيمن على سبيل الحق أو لأدعن لكل رجل منكم شغلاً في جسده”.
ثم قال: “من وجدت بعد ثالثة من بعث المهلب -يعني الذين كانوا قد رجعوا عنه لما سمعوا بموت بشر ابن مروان كما تقدم -سفكت دمه وانتهبت ماله”، ثم نزل فدخل منزله ولم يزد على ذلك، ويقال إنه لما صعد المنبر واجتمع الناس تحته أطال السكوت حتى أن محمد بن عمير أخذ كفاً من حصى وأراد أن يحصبه بها، وقال: “قبحه الله ما أعياه وأذمه!”.
فلما نهض الحجاج وتكلم بما تكلم به جعل الحصى يتناثر من يده وهو لا يشعر به، لما يرى من فصاحته وبلاغته.
ويقال إنه قال في خطبته هذه: “شاهت الوجوه إن الله ضرب مثلاً: {قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل:112] وأنتم أولئك فاستووا واستقيموا، فوالله لأذيقنكم الهوان حتى تذروا، ولأعصبنكم عصب السلمة حتى تنقادوا، وأقسم بالله لتقبلنّ على الإنصاف ولتدعن الأرجاف وكان وكان، وأخبرني فلان عن فلان، وإيش الخبر وما الخبر، أو لأهبرنكم بالسيف هبراً يدع النساء أيامى والأولاد يتامى، حتى تمشوا السُّمَّهي وتقلعوا عن هاوها”.
في كلام طويل بليغ غريب يشتمل على وعيد شديد ليس فيه وعد بخير.
فلما كان في اليوم الثالث سمع تكبيراً في السوق فخرج حتى جلس على المنبر فقال: “يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، إني سمعت تكبيراً في الأسواق ليس بالتكبير الذي يراد به الترغيب، ولكنه تكبير يراد به الترهيب. وقد عصفت عجاجة تحتها قصف، يا بني اللكيعة وعبيد العصا وأبناء الإماء والأيامى، ألا يربع كل رجل منكم على ظلمه، ويحسن حقن دمه، ويبصر موضع قدمه، فأقسم بالله لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكون نكالاً لما قبلها وأدباً لما بعدها”.
فقام إليه عمير بن ضابئ التميمي ثم الحنظلي فقال: “أصلح الله الأمير إنا في هذا البعث وأنا شيخ كبير وعليل، وهذا ابني هو أشب مني”، قال: “ومن أنت؟”، قال: “عمير بن ضابئ التميمي”، قال: “أسمعت كلامنا بالأمس؟”، قال: “نعم!”، قال: “ألست الذي غزا عثمان بن عفان؟”، قال: “بلى”، قال: “وما حملك على ذلك؟”، قال: “كان حبس أبي وكان شيخاً كبيراً”، قال: “أوليس هو الذي يقول:
هممتُ ولم أفعل وكدت وليتني * * فعلت وولَّيتُ البكاء حلائلا؟
إني لأحسب أن في قتلك صلاح المصرين”.
ثم قال: “قم إليه يا حرسي فاضرب عنقه”، فقام إليه رجل فضرب عنقه وانتهب ماله، وأمر منادياً في الناس ألا إن عمير بن صابئ تأخر بعد سماع النداء ثلاثاً فأمر بقتله فخرج الناس حتى ازدحموا على الجسر فعبر عليه في ساعة واحدة أربعة آلاف من مذحج، وخرجت معهم العرفاء حتى وصلوا بهم إلى المهلب، وأخذوا منه كتاباً بوصولهم إليه، فقال المهلب: “قدم العراق والله رجل ذكر، اليوم قوتل العدو”.
ويروى أن الحجاج لم يعرف عمير بن ضابئ حتى قال له عنبسة بن سعيد: “أيها الأمير، إن هذا جاء إلى عثمان بعد ما قتل فلطم وجهه”، فأمر الحجاج عند ذلك بقتله.
باب ما جاء في أسر حاتم الطائي
أغار حاتم طيء بجيش من قومه على بكر بن وائل فقاتلوهم، وانهزمت طيء وقتل منهم وأسر جماعة كثيرة، وكان في الأسرى حاتم بن عبد الله الطائي، فبقي موثقاً عند رجل من عنيزة، فأتته امرأة منهم اسمها عالية بناقة فقالت له: افصد هذه، فنحرها، فلما رأتها منحورة صرخت، فقال حاتم:
عالي لا تلتد من عاليـــــــــه * * إن الذي أهلكت من ماليه
إن ابن أسماء لكم ضامــــــن * * حـتى يؤدي آنس ناويه
