وكانوا يبخرون القبة والمسجد من الليل، وجعل فيها من قناديل الذهب والفضة والسلاسل الذهب والفضة شيئا كثيرا، وجعل فيها العود القمارى المغلف بالمسك، وفرشاها والمسجدَ بأنواع البسط الملونة، وكانوا إذا أطلقوا البَخور شُمَّ من مسافة بعيدة، وكان إذا رجع الرجل من بيت المقدس إلى بلاده توجد منه رائحة المسك والطيب والبخور أيامًا، ويُعرَف أنه قد أقبل من بيت المقدس، وأنه دخل الصخرة.
وكان فيه من السدنة والقوم القائمين بأمره خلق كثير، ولم يكن يومئذ على وجه الأرض بناء أحسن ولا أبهى من قبة صخرة بيت المقدس، حتى إن الناس التهوا بها عن الكعبة والحج، وافتتن الناس بذلك افتتانا عظيما، وأتوه من كل مكان.
ولما فرغ رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام من عمارتها على أكمل الوجوه، فَضَل من المال الذي أنفقاه على ذلك ستمائة ألف مثقال، وقيل ثلاثمائة ألف مثقال، فكتبا إلى عبد الملك يخبرانه بذلك، فكتب إليهما: قد وهبته لكما، فكتبا إليه: “إنا لو استطعنا لزدنا في عمارة هذا المسجد من حليّ نسائنا!”، فكتب إليهما: “إذ أبيتما أن تقبلاه فأفرغاه على القبة والأبواب. فما كان أحد يستطيع أن يتأمل القبة مما عليها من الذهب القديم والحديث”.
ولما أُكمل البناء كُتب على القبة مما يلي الباب القبلي: أمر ببنائه بعد تشعيثه أمير المؤمنين عبد الملك سنة اثنتين وستين من الهجرة النبوية، وكان طول المسجد من القبلة إلى الشمال سبعمائة وخمسة وستون ذراعا وعرضه أربعمائة وستون ذراعا.
وقد ابتدأ مشروع عبد الملك العظيم سنة 66 للهجرة؛ أي قبل وفاته بعشر سنين، وتم بناء القبة على الهيئة التي ورد ذكرها آنفا سنة 72 هجـرية، بعد أن أنفق عليها خراج مصر لسبع سنين.
وكان فيه في ذلك الوقت من الخشب المسقف – سوى أعمدة خشب – ستة آلاف خشبة، وفيه من الأبواب خمسون بابا، منها باب داود، وباب سليمان، وباب حطة، وباب محمد عليه الصلاة والسلام، وباب التوبة، وباب الرحمة، وأبواب الأسباط ستة أبواب، وباب الوليد، وباب الهاشمي، وباب الخضر، وباب السكينة.
وكان فيه من العمد ستمائة عمود من رخام، وفيه من المحاريب سبعة، ومن السلاسل للقناديل أربعمائة سلسلة إلا خمسة عشر، منها مائتا سلسلة وثلاثون سلسلة في المسجد الأقصى، والباقي في قبة الصخرة الشريفة، وذرع السلاسل أربعة آلاف ذراع، ووزنها ثلاثة وأربعون ألف رطل بالشامي.
وفيه من القناديل خمسة آلاف قنديل. وكان يُسرَج مع القناديل ألفا شمعة في ليلة الجمعة وفي ليلة النصف من رجب وشعبان ورمضان، وفي ليلتي العيد، وفيه من القباب خمس عشرة قبة سوى قبة الصخرة. وعلى سطح المسجد من شقف الرصاص سبعة آلاف شقفة وسبعمائة، ووزن الشقفة سبعون رطلا بالشامي، غير الذي على قبة الصخرة، وفيه من الصهاريج أربعة وعشرون صهريجًا كبيرًا. وفيه من المنابر أربعة: ثلاثة منها صف واحد غربيَّ المسجد، وواحد على باب الأسباط.
وقد استعمل الأمويون بعض ساكني القدس من اليهود والنصارى لخدمة المسجد، فكان فيهم عشرة من اليهود لكنس ما يصيب المسجد في المواسم والشتاء والصيف ولكنس المطاهر التي حول الجامع، كما كان فيهم عشرة من النصارى لعمل الحصر، ولكنس حصر المسجد، وكنس القناة التي يجري فيها الماء إلى الصهاريج، وكنس الصهاريج أيضا.
ويروى أن بعض اليهود كانوا يتولون إضاءة مسجد بيت المقدس، فلما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة سنة 99 هـجرية أخرجهم مراعاة للعهد الذي أبرمه جده عمر بن الخطاب مع أهل القدس والذي يقضي بعدم السماح لليهود بالإقامة فيها.




